تسميات اغلاق التسميات

إلى ملايين المغتربين: لا تؤجلوا سعادة الغـُربة إلى الوطن!

إلى ملايين المغتربين: لا تؤجلوا سعادة الغـُربة إلى الوطن!
كتبه : د. فيصل القاسم
مهما طالت سنين الغربة بالمغتربين، فإنهم يظلون يعتقدون أن غربتهم عن أوطانهم مؤقتة، ولا بد من العودة إلى مرابع الصبا والشباب يوماً ما للاستمتاع بالحياة، وكأنما أعوام الغربة جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب. 


لاشك أنه شعور وطني جميل، لكنه أقرب إلى الكذب على النفس وتعليلها بالآمال الزائفة منه إلى الحقيقة. فكم من المغتربين قضوا نحبهم في بلاد الغربة وهم يرنون للعودة إلى قراهم وبلداتهم القديمة! وكم منهم ظل يؤجل العودة إلى مسقط الرأس حتى غزا الشيب رأسه دون أن يعود في النهاية، ودون أن يستمتع بحياة الاغتراب! 


وكم منهم قاسى وعانى الأمرّين، وحرم نفسه من ملذات الحياة خارج الوطن كي يوفر الدريهمات التي جمعها كي يتمتع بها بعد العودة إلى دياره، ثم طالت به الغربة، وانقضت السنون، وهو مستمر في تقتيره ومعاناته وانتظاره، على أمل التمتع مستقبلاً في ربوع الوطن، كما لو أنه قادر على تعويض الزمان! 


وكم من المغتربين عادوا فعلاً بعد طول غياب، لكن لا ليستمتعوا بما جنوه من أرزاق في ديار الغربة، بل لينتقلوا إلى رحمة ربهم بعد عودتهم إلى بلادهم بقليل، وكأن الموت كان ذلك المستقبل الذي كانوا يرنون إليه! لقد رهنوا القسم الأكبر من حياتهم لمستقبل ربما يأتي، وربما لا يأتي أبداً، وهو الاحتمال الأرجح! 


لقد عرفت أناساً كثيرين تركوا بلدانهم، وشدوا الرحال إلى بلاد الغربة لتحسين أحوالهم المعيشية. وكم كنت أتعجب من أولئك الذين كانوا يعيشون عيشة البؤساء لسنوات وسنوات بعيداً عن أوطانهم، رغم يسر الحال نسبياً، وذلك بحجة أن الأموال التي جمعوها في بلدان الاغتراب يجب أن لا تمسها الأيدي لأنها مرصودة للعيش والاستمتاع في الوطن. لقد شاهدت أشخاصاً يعيشون في بيوت معدمة، ولو سألتهم لماذا لا يغيرون أثاث المنزل المهترئ، فأجابوك بأننا مغتربون، وهذا البلد ليس بلدنا، فلماذا نضيّع فيه فلوسنا، وكأنهم سيعيشون أكثر من عمر وأكثر من حياة! 


ولا يقتصر الأمر على المغتربين البسطاء، بل يطال أيضاً الأغنياء منهم. فكم أضحكني أحد الأثرياء قبل فترة عندما قال إنه لا يستمتع كثيراً بفيلته الفخمة وحديقته الغنــّاء في بلاد الغربة، رغم أنها قطعة من الجنة، والسبب هو أنه يوفر بهجته واستمتاعه للفيلا والحديقة اللتين سيبنيهما في بلده بعد العودة، على مبدأ أن المــُلك الذي ليس في بلدك لا هو لك ولا لولدك!! وقد عرفت مغترباً أمضى زهرة شبابه في أمريكا اللاتينية، ولما عاد إلى الوطن بنا قصراً منيفاً، لكنه فارق الحياة قبل أن ينتهي تأثيث القصر بيوم!!

 كم يذكــّرني بعض المغتربين الذين يؤجلون سعادتهم إلى المستقبل، كم يذكــّرونني بسذاجتي أيام الصغر، فذات مرة كنت استمع إلى أغنية كنا نحبها كثيرا أنا وأخوتي في ذلك الوقت، فلما سمعتها في الراديو ذات يوم، قمت على الفور بإطفاء الراديو حتى يأتي أشقائي ويستمعوا معي إليها، ظناً مني أن الأغنية ستبقى تنتظرنا داخل الراديو حتى نفتحه ثانية. ولما عاد أخي أسرعت إلى المذياع كي نسمع الأغنية سوية، فإذا بنشرة أخبار. 


إن حال الكثير من المغتربين أشبه بحال ذلك المخلوق الذي وضعوا له على عرنين أنفه شيئاً من دسم الزبدة، فتصور أن رائحة الزبدة تأتي إليه من بعيد أمامه، فأخذ يسعى إلى مصدرها، وهو غير مدرك أنها تفوح من رأس أنفه، فيتوه في تجواله وتفتيشه، لأنه يتقصى عن شيء لا وجود له في العالم الخارجي، بل هو قريب منه. وهكذا حال المغتربين الذين يهرولون باتجاه المستقبل الذي ينتظرهم في أرض الوطن، فيتصورون أن السعادة هي أمامهم وليس حولهم. 


كم كان المفكر والمؤرخ البريطاني الشهير توماس كارلايل مصيباً عندما قال: « لا يصح أبداً أن ننشغل بما يقع بعيداً عن نظرنا وعن متناول أيدينا، بل يجب أن نهتم فقط بما هو موجود بين أيدينا بالفعل».
لقد كان السير ويليام أوسلير ينصح طلابه بأن يضغطوا في رؤوسهم على زر يقوم بإغلاق باب المستقبل بإحكام، على اعتبار أن الأيام الآتية لم تولد بعد، فلماذا تشغل نفسك بها وبهمومها. إن المستقبل، حسب رأيه، هو اليوم، فليس هناك غد، وخلاص الإنسان هو الآن، الحاضر، لهذا كان ينصح طلابه بأن يدعوا الله كي يرزقهم خبز يومهم هذا. فخبز اليوم هو الخبز الوحيد الذي بوسعك تناوله. 


أما الشاعر الروماني هوراس فكان يقول قبل ثلاثين عاماً قبل الميلاد: «سعيد وحده ذلك الإنسان الذي يحيا يومه ويمكنه القول بثقة: أيها الغد فلتفعل ما يحلو لك، فقد عشت يومي».


إن من أكثر الأشياء مدعاة للرثاء في الطبيعة الإنسانية أننا جميعاً نميل أحياناً للتوقف عن الحياة، ونحلم بامتلاك حديقة ورود سحرية في المستقبل- بدلاً من الاستمتاع بالزهور المتفتحة وراء نوافذنا اليوم. لماذا نكون حمقى هكذا، يتساءل ديل كارنيغي؟ أوليس الحياة في نسيج كل يوم وكل ساعة؟ إن حال بعض المغتربين لأشبه بحال ذلك المتقاعد الذي كان يؤجل الكثير من مشاريعه حتى التقاعد. وعندما يحين التقاعد ينظر إلى حياته، فإذا بها وقد افتقدها تماماً وولت وانتهت. 


إن معظم الناس يندمون على ما فاتهم ويقلقون على ما يخبئه لهم المستقبل، وذلك بدلاً من الاهتمام بالحاضر والعيش فيه. ويقول دانتي في هذا السياق:» فكــّر في أن هذا اليوم الذي تحياه لن يأتي مرة أخرى. إن الحياة تنقضي وتمر بسرعة مذهلة. إننا في سباق مع الزمن. إن اليوم ملكنا وهو ملكية غالية جداً. إنها الملكية الوحيدة الأكيدة بالنسبة لنا».


لقد نظم الأديب الهندي الشهير كاليداسا قصيدة يجب على كل المغتربين وضعها على حيطان منازلهم. تقول القصيدة: «تحية للفجر، انظر لهذا اليوم! إنه الحياة، إنه روح الحياة في زمنه القصير. كل الحقائق الخاصة بوجود الإنسان: سعادة التقدم في العمر، مجد الموقف، روعة الجمال. إن الأمس هو مجرد حلم انقضى، والغد هو مجرد رؤيا، لكن إذا عشنا يومنا بصورة جيدة، فسوف نجعل من الأمس رؤيا للسعادة، وكل غد رؤيا مليئة بالأمل. فلتول اليوم اهتمامك إذن، فهكذا تؤدي تحية الفجر».


لمَ لا يسأل المغتربون عن أوطانهم السؤال التالي ويجيبون عليه، لعلهم يغيرون نظرتهم إلى الحياة في الغربة: هل أقوم بتأجيل الحياة في بلاد الاغتراب من أجل الاستمتاع بمستقبل هـُلامي في بلادي، أو من أجل التشوق إلى حديقة زهور سحرية في الأفق البعيد؟ 
كم أجد نفسي مجبراً على أن أردد مع عمر الخيام في رائعته (رباعيات): لا تشغل البال بماضي الزمان ولا بآتي العيش قبل الأوان، واغنم من الحاضر لذاته فليس في طبع الليالي الأمان.
٭ كاتب واعلامي سوري
falkasim@gmail.com

د. فيصل القاسم

هناك 23 تعليقًا:

  1. أحسنت مابين بكاء على ذكريات و انتظار ما هو آت تضيع أوقات بين أيدينا لا استمعنا بها و لا سعينا لأن يستمتع بها غيرنا

    ردحذف
  2. قصة حقيقيه رأيت احداثها
    يعيش بالغربة وحيدا ثلاثين عامآ في غرفة صغيرة على مفروشات مهترئه و يرفض استقدام زوجته وأوﻻده ﻻدخار النفقات مع العلم بأنه يتقاضى راتبآ كبير ويعود لبلده نهائيآ ليموت بعد أقل من عام

    ردحذف
    الردود
    1. فعلا حصلت مع اكثر من شخص اعرفهم

      حذف
  3. رااائع جدا هذا الكلام معك حق دكتور فيصل

    ردحذف
  4. اصبت لا سعاده تؤجل :)

    ردحذف
  5. صدقت والله يا دكتور لا فض فوك كم مر من اعمارنا في غربة الشقاء على امل سراب الراحة في اوطان قد باعدتنا بقسوتها وجفاءها

    ردحذف
  6. ههههههههه
    كلام زى الفل

    ردحذف
  7. ياعم الحج فيصل الغربه أحسن من بلادنا سعادة مين اللي هننتظرها في بلاد قمع وقتل وحرق وتعدي علي الحرمات والمقدسات وقلب الحق باطل والباطل حقاً ومع ذلك هنرجع وعلي أنوفنا بصلتين وليست بصله واحده وسوف نتحسر علي أيام السعاده التي قضيناها في الغربه اللهم أصلح بلادنا فنحن المسلمون أولي بالعدل

    ردحذف
    الردود
    1. فعلا كلامك صدق ورجخنا رغم انوفنا رجعنا بعد ان ذقنا الأمرين في بلاد الغربه أيضا فليس هناك سعادة لكي أستسمرها هناك سنوان وسنوات وعندما رجعنا الي بلادنا ماذا وجدنا داخل الصندوق وماذا وجدنا ما يخبيه القدر وجدنا أن نقطة البدية التي انطلقنا بسببها الي الخارج أهون كثير ممن نحن فيه ما نحن فيه الان يذكرني بوصف عمرو بن العاص حينما سأله ولده صف لي الموت ياأبي وهو علي فراش الموت فقال يابني احس بأن جبل _سلمي قد طبق علي صدري وأنني كعصفور علي المقلاه يتقلب ويرتفع فلا هو يموت ولا هويرتاح من العذاب هذا هو حالنا قبل الغربه وبعد الغربه

      حذف
  8. والله الراجل دة بيقول كلام زى الفل

    ردحذف
  9. مع احترامى لكل اواء الاخوة الكرام لى راى يختلف عن ذلك وهو ان نعيش حياتنا ونستمتع بها فى الغربة وفى البلد الام ايضا والانسان دائما يسعى ويفكر للمستقبل والا ماتقدمت الامم ولتجمدت الافكار والاختراعات التى عادة ما يفعلها العلماء والقطاع الخاص فاذا فكر انسان بالاستمتاع بوقته فقط مكان ما يعيش ولا يفكر فى المستقبل فهو انسان غير مصيب اى مخطىء لان هذا هو الفرق بين الانسان والكائنات الاخرى فالعكس هو الصحيح وهو ان تعيش سعيد حيثما كنت وانت تعمل للمستقبل لاولادك ولوطنك واكل البشر ان استطعت لتسع ويسعد الجميع فما استحق الحياة من عاش لنفسه واعمل لحياتك كانك تعيش ابدا واعمل لاخرتك كانك تموت غدا وفقنا الله واياكم لما للخير حيثما كان

    ردحذف
  10. اه على الأهل اللى سيبناهم
    اه على الاحباب اللى سافرنا علشانهم وغدرو بينا
    اه على العمر اللى من بين أيدينا
    اه على الشباب اللى بيموت قدام عينا
    اه فراق واشتياق كل يون بيقطع فينا
    وااااااه على عمر انقضى فى قولة ااااااه
    وحسب الله فى كل مسؤول قصر فى حق بلدنا وأترينا نهاجر ونتحصر على شبابنا بقولة اااااااااااه

    ردحذف
  11. طبعا يا حضرة الدكتور الثوري
    لأنك ما تقدر تزور بلدك ولا حتى ساعتين وحتى اهلك تبرأو منك ولو شافك اي سوري في سوريا يرتكب فيك جريمة فالشيء الطبيعي انك تقول هالكلام مواساة لنفسك على الاقل

    ردحذف
  12. هذا المقال للكاتب الأردني أحمد حسن الزعبي وليس لفيصل القاسم

    ردحذف
  13. وما هي نصيحتك للشباب الحائر ؟؟؟؟؟؟؟؟

    ردحذف
  14. اللهم ارزقنا السعادة في داري الدنيا ( الوطن والغربة) والدار الآخرة في جنة النعيم

    ردحذف
  15. كسبنا صلاة النبي.. عايز تقول ايه طيب.. عمال تنقرز في اللي خلفونا يعني

    ردحذف
  16. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  17. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف

جميع الحقوق محفوظة 2014-2015 تصميم اكرم تكويد احمد