تسميات اغلاق التسميات

يوسف عبدالرحمن يكتب : هموم وافد!

هموم وافد!

بقلم: يوسف عبدالرحمن في جريدة الأنباء الكويتية .


هل نحن قوم مكاري كما يقولون أم كالعادة ممشة زفر؟!
«قوم مكاري» عبارة كويتية أصيلة قديمة يقولها أهل الكويت وتعني الناس اللي مالهم شغل بأحد ولو شافوا غلط چدامهم لا يتكلمون ويقولون: مو شغلنا، ولو رجعنا الى اللغة لوجدنا ان مكاري اسم والجمع مكارون والمكاري مكري الدواب بمعنى من يكري الدواب من بغال وحمير.

وأبناء جيل اليوم لا يعرفون مثل هذه الألفاظ القديمة العتيقة وبعضهم يحاول فك الشيفرة ولعلنا نساعده على قدر ما نستطيع في استراحاتنا المقبلة، ولن نكون ابدا كشعب متحضر وفي كريم ممشة زفر.

قالوا عنا: اننا عنصريون حتى النخاع. لِم؟ ما الكويت طول عمرها تُسمى بلاد العرب.

وقالوا: ان الكويتي لم ولن يقول لأخيه الوافد «شكرا»! شدعوة يهود؟! الله اكبر كل هذا ما يبين؟ احنا شعب نحب الوفاء والأوفياء.

وقالوا: مر نصف قرن على مساهمة الوافدين في بناء الكويت ولم يلتفت اليهم أحد!

وقالوا: مصيبة قادمة من حيث التركيبة السكانية وضرورة تعديل المعادلة وفق معادلة أنا كويتي وأنت وافد رغم اننا تعلمنا ونحن على مقاعد الدراسة:

قالوا انتسب، قلت العروبة أمتي

ورحابها وطني، ثرى وفضاء

هل العلة فينا نحن «الشعب الكويتي» أم في الأجهزة الحكومية أم في الوافدين؟

وهل الوافدون كلهم نماذج وقدوات؟! ماذا يعني ما فيهم الحاسد والحاقد والمجرم؟!

الاستراحة اليوم تطرح «هموم وافد» بمصداقية وشفافية، وهذه عادة اهل الكويت الطيبين ما يظلمون احدا.

في الآونة الأخيرة زاد احتجاج الاخوة الوافدين لأن الأمر يتعلق بالحاجات الضرورية خاصة ارتفاع الايجارات في السكن دون ضوابط ثم الغرامات، وثالثة الاثافي القضية المرورية ودور الوافد فيها، وللاسف لم يخرج علينا مسؤول يفند كل هذه الظواهر ويرد على اسئلة المحتارين.

والسؤال: هل هناك حل لهذه القضايا التي باتت تؤرق الأخ الوافد الكريم الذي يعيش بيننا ونريد له فعلا الاستقرار والأمان لأنه معنا يبني الكويت، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «التمس لأخيك بضعة وسبعين عذرا»، وهل فعلا هناك انحدار واسباب ومسببات ام الارتجال والتخبط؟!

الاستراحة توجه النظر الى ان اصدار القرارات وما يتبعها من نتائج لا تحل المشاكل بل تزيد حجم المشكلة وتعقدها، وإذا اردنا الحل الامثل فإنني أرى ان نصدر قانونا مدروسا حول تجار الاقامات ونطبق القانون دون تجاوزات لانهم سبب هذه الافواج التي تعتلي وتفترش الارصفة! وشعارها ما أنشده أبوالقاسم الشابي:

ومن لا يحب صعود الجبال

يعش أبد الدهر بين الحفر

الاستراحة تجول بكم هذا الاسبوع مع هموم الوافدين خاصة اذا ما علمنا ان الكويتيين يشكلون 30% وان الوافدين 70% حيث يشكل الهنــود المرتبة الأولى بـ 786809 والمصريون ثانيا بـ 532551 والفلبينيــــون بـ 185545 ثم البنغلاديشيون بـ 180530، السوريون بـ 145275، أما الفلسطينيون حملة الوثيقة المصرية فبلغت اعدادهم 5984، والاحصائية كبيرة ولها أرقام ودلالات، وربما الارقام المخيفة لم تظهر بعد وهي رهينة.

استطلاع «ميرسر» الذي اجرته شركة «ميرسر» الاستشارية اظهر الكويت انها الـ 8 عربيا و147 عالميا في أغلى الدول لمعيشة المغتربين وجاءت بيروت في قمة المؤشر ثم جاءت دبي التي شهدت قفزة في الترتيب العام وارتفاع العاصمة الاردنية من المرتبة 189 الى 103، و4 اقليميا من حيث ارتفاع الاسعار والمعيشة فيما بقيت القاهرة في المركز 153 من حيث تكلفة الاغتراب فيها ثم الخرطوم بحكم العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة.

واذا كانت دبي والكويت أعلى مدن الخليج العربية غلاء للوافدين فما سر بقاء كل هذه الافواج من الوافدين فيهما؟ يقول الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة، وهناك حقيقة ان الكويت البلد الوحيد الذي تجد فيه «سندويچة» بطاط وباذنجان وفلافل بـ 100 فلس!

اصدر بنك «اتش اس بي سي» «HSBC» تقريره لعام 2014، حيث جاءت الكويت الأغلى خليجيا من حيث الايجارات!

واشار التقرير الى ان الوافدين يفضلون العيش في البحرين نظرا للمردود المادي في قائمة تضم 74 دولة وجاءت الكويت في المرتبة ما قبل الاخيرة 33 ومصر في آخر القائمة وقطر في المرتبة 28 والإمارات في المرتبة 21 وسلطنة عمان 19.

كل هذه الاحصاءات والمعلومات توضح ان اوضاع الوافدين ليست بخير في العموم وان الخيارات تناقصت، وصدق الشاعر المتنبي حينما قال:

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى

فما انقادت الآمال إلا لصابر

ولن اذيع سرا اذا قلت ان الوافد الذي لم يعش في الكويت بين اعوام 1975 و1985 لن يوفر مالا ابدا.

اذن الله يساعد كل الوافدين الذين تقل رواتبهم عن 400 دينار خاصة ان كانوا من فئة «المتزوجين» اذا ما علمنا ان دراسة حكومية كشفت ان حجم العمالة الوافدة في القطاع الخاص بلغ مليونا و103 آلاف، وتشكل نسبة الذكور 92.06% وعدد الاناث 87567.

دعوة لقراءة هموم الوافد الذي يعيش بيننا فنحن ككويتيين «مكفولون» من الدولة من المهد الى اللحد، ولله الحمد، لكن من يعيشون بيننا من الوافدين لهم مشاكلهم واحتياجاتهم وهمومهم وكلها قضايا تحتاج الى حل لا بل الى حلول، وعلى بركة الله نبدأ.

الغربة والكفالة

أول هموم الوافد هي الغربة والبعد عن الاهل والديار، وبعضهم تارك الزوجة والأولاد، وهذه هموم قد لا يشعر بها المواطن المقيم في بلده وبين أهله وشعبه، يقول ميخائيل نعيمة: أوحش الوحشة ان تعود بعد غربة طويلة الى بيتك فلا تجد فيه من يقول لك: أهلا وسهلا.

كما ان نظام الكفيل افرز لنا «تجار الاقامات» وهذه طامة كبرى علينا ان نعالجها سريعا فكثير من مواطنينا اخذ من 800 الى 1300دينار ورمى هذا الوافد في الشارع يجرب حظه!

كلنا يعرف ان هناك شركات وهمية لها عمالة سائبة في الشوارع تتاجر في البشر وتسيء للكويت ونأمل ان ينتهي عصر الكفالة، التي اظهرتنا للأسف كأننا «مصاصو دماء».

من يزر بنيد القار وخيطان والفروانية والجليب يعرف حجم المشكلة، فالكفيل يبتز الوافد الضعيف ويذله حتى يكفله، لذا يجب ان تكون الكفالة عن طريق شركة حقيقية لا وهمية للاتجار بالعمالة، لان الكفيل يبدأ برقم معين ثم يضغط على الوافد لتجديد الاقامة، فأسعار الكفالات تبدأ بـ 800 وتنتهي بـ 1300.. يا بلاش سوق نخاسة للاسف!

اذن الغربة والكفالة من أوليات هم الوافد الكريم الذي يعيش بيننا وانا هنا احيي واحترم الوافد الذي يحترم القانون ويطبقه كأي انسان متحضر، كما انني مع «تسفير» أي وافد يخالف القانون، خاصة قانون المرور، وتجاوز الاشارة الحمراء، لما فيه من رعونة واستهتار.

معادلة

تريدون تقدما ونموا؟ اذن يجب «عمل حساب الوافدين بيننا» لان كل الدراسات تؤكد انه: اذا كنت عازما على التقدم والنمو وتحقيق التنمية فيجب ان تعد مجتمعك لإعداد الوافدين القادمين الذين سيشاركونك التحديات التي ستواجهها مستقبلا من اتساع رقعة الارض بما فيها من خدمات، وأي إضرار بهذا الجانب يخل بالمعادلة، لانك بحاجة الى الخبرات الخارجية، فيجب ان تعد نفسك ومجتمعك لقدوم آلاف من هذه العمالة، وان تعد لهم المدن العمالية، وانا شخصيا افضل «نظام الأسرة» بمعنى ان يأتيني الوافد مع أسرته.

إن بيع الوهم للوافد أمر مؤسف! فهو يأتي ولا يجد تعليما، ولا علاجا طبيا، ولا اجازة قيادة، انما الامر هو عبارة عن عملية ترقيع.

ان فرص العمل متوافرة هنا وهناك، وعلينا ان ندرس خياراتنا، ونعمل في ضوء امكانياتنا، وايضا علينا جلب الفاهمين لأخلاقياتنا وثقافتنا وتقاليدنا على حد سواء.

ونعترف جميعا بأن الشعب الكويتي بدأ يغضب من الزحمة المرورية، وامتلاء المستشفيات بالاخوة الوافدين، وهذه مسؤولية حكومية بحتة، لا يسأل عنها الوافد أو المواطن ابدا.

كابوس

اعتقد ان الوافد يعيش كابوسا حقيقيا كل يوم يقض مضجعه، ونحن نسميه «چاثوما»، لأن الإبعاد القضائي الذي نظمته المادة 79 من قانون الجزاء وهو الذي يجيز للقاضي إبعاد الوافد، وطرق تنفيذه، وهو اداة للسلطة الإدارية في الدولة تحقيقا للصالح العام، يقول الله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ـ البقرة: 179) والابعاد هنا يعني بكل صراحة اخراج الوافد من البلاد خلال مدة محددة وبالقوة في حال امتناع الوافد عن تنفيذ الامر طوعا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لانه أمر صعب جدا على النفس، وهذا الوافد ان كان «عزابيا» فإن الأمر سهل، ولكن اذا كانت له أسرة وأبناء فهنا تكون المأساة! وربي يحفظ لنا عقولنا ويارب إذا أعطيتني قوة لا تأخذ عقلي.. قال الشاعر:

لئن كنت محتاجا الى الحلم انني

الى الجهل في بعض الأحايين أحوج

كارثة الإبعاد الإداري

من حق الدولة الابعاد الاداري ولا اعتراض عليه، وانما أطلب عدم الوقوع في الظلم نتيجة الشخصانية، واعرف ان هذا الامر مخول به المديرون العامون والوكلاء المساعدون، ولكن الخوف ممن يرفع الكتاب وهم في العادة صغار الضباط غير انني مطمئن بأن خلفهم وزيرا يخاف الله.

علاج الوافدين

في عام 1987 قابلت سمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح ـ طيب الله ثراه ومثواه ـ وكنت عائدا من جولة في منطقة جنوب شرقي آسيا، وعملت مؤلفا (كتابا) اهديته الى سموه، فسألني عن انطباعات الناس هناك عن الكويت، فقلت ان العاملين الذين التقيتهم في ماليزيا وتايلند وسنغافورة يشيدون في مجتمعاتهم بـ«مجانية العلاج» في المستشفيات، وهذا اثر طيب لمسته عند كل الناس، الذين عملوا في الكويت، غير ان الوضع اليوم تغير، واعتبر كثير من أبناء الشعب الكويتي هذا حقا مكتسبا لأهل الكويت، فيما يراه الوافد نقطة سوداء في ثوب الانسانية الكويتية، يقول مارتن لوثر كنغ: علينا أن نقبل خيبة محدودة، ولكن ينبغي ألا نخسر أبدا رجاء غير محدود.

دولة عزاب

اذا استمررنا في هذا النهج الضاغط على الوافدين فمن الاكيد ان الكويت ستتحول الى دولة عزاب، لان رفع أسعار السكن صار فلكيا، وتم ايضا رفع أسعار الوقود والكهرباء، وأيضا رفع اسعار المواد الغذائية سيجعل كثيرا من أرباب الأسر يسفرون أسرهم الى دولهم ويعيشون عزابا عندنا وهم يغنون «شيلي قشچ، طلعي من بيتي، لسانچ طويل آه منه»، وهذا أمر يحتاج الى وقفة لا بل الى وقفات.

وانا مع مناشدة اخواني اعضاء مجلس الامة الكرام، الذين بدأوا يفتحون هذا الملف الساخن، ويدلون بآرائهم الحكيمة بعيدا عن التشنج والاستعراض، فما يهمنا هو مصلحة الكويت العليا، وعدم ظلم من يشاركوننا في بناء الدولة الحديثة من الاخوة الوافدين الكرام.

من الأكيد ان المشكلة المرورية تحتاج الى «وصفة» وخارطة طريق جديدة، مثلما فعل اللواء عبدالفتاح العلي الذي اجده استطاع في مدة قصيرة ان يجعل 350 ألف سيارة تتوقف عن النزول الى الشوارع، وهذا إنجاز يحسب له لا عليه.

مطلوب التشدد في تطبيق القانون، ولكن دون ظلم، وبمسطرة تطبق على الجميع.

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم واجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد» وهنا أتذكر قول مأثور: القوانين مثل نسج العنكبوت تقع فيه الطيور الصغيرة وتعصف به الطيور الكبيرة.

أبو بنطلون

انا في هذه الاستراحة أحيي جميع الوافدين الشرفاء الذين يعملون بكد جبينهم ويطبقون القانون بحذافيره وهم بكل أمانة وصدق اعطوا مجتمعنا «نكهة»، لانهم جنسيات مختلفة، واطياف واعراق، منهم العرب، وكثير من الأعاجم، وهم ايضا بشر، يحتاجون مثلنا الى حدائق وسواحل وترفيه حتى «يرفهوا» عن انفسهم، لأنهم يمكثون في «شققهم»، وهي شبيهة بالاقفاص، خاصة المباني الجديدة، التي تحولت فيها الغرف الى شبيه بمسكن «باربي»!

من الأكيد ان هناك افرادا من الوافدين «مجرمون»، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، لأنهم يعيثون في مجتمعنا فسادا، ونشد على يد كل اجهزتنا الامنية، ونحثهم على تخليصنا منهم، على وجه السرعة، وأُذكر بأهمية التعامل الانساني مع المحجوزين خاصة اولئك المحتجزين في حجوزات مباحث الهجرة عند دوار العظام قد يكون العدد كبيرا والمطلوب مكان يتسع لهذه الاعداد، غير اننا نحيي ونرحب بكل الآلاف المؤلفة التي تعيش معنا في أمن وأمان وتحترم قوانيننا، لانها هي في الاساس «متربية» وتحمل المواطنة الصالحة، ولهم شكرنا.

بن فطيس والعمالة

الشاعر محمد بن فطيس المري (شاعر المليون) يشرح في قصيدة طويلة معاناة العمالة في أبيات من الأشعار الجزلة الطويلة اختصر منها قوله:

يضيق صدري كل ما شفت طرطور

يكشخ ويبرز قوته ع العمالة

قلبي على بعض الرجاجيل مقهور

خلوه يا عالم يربي عياله

أنا أشهد انه كفو لكن مجبور

يصبر على وضع النكد والكفاله

ورد عليه الشاعر اليمني أبو هاجس في أبيات شبيهة يقول فيها:

قلبي على كبر الصعوبات هامور

العز تاجه والشرف راس ماله

من عاش صابر محتسب مات منصور

مادام ياكل لقمته من حلاله

آخر الكلام

يا مجلس أمتنا، وانتم صوت الأمة، نناشدكم تغليظ عقوبة الاتجار بالاقامات، خاصة تلك الشركات التي تتعمد تسجيل المكفولين على قوائم التغيب، بحيث يحضرون غيرهم بمقابل مادي! ومن يزور اجازات المرور ويبيعها ان وجد، ومطلوب منا ان نعيد للتركيبة السكانية توازنها، وان تلتزم الدولة بنسبة العمالة الوافدة، حتى لا يتحول الوافد الى شوكة في بلعومنا، وان كثرتهم اكيد خطر، ما لم نحدد سقف العمالة المطلوبة، وان كان الحل هو الترحيل بعد سوء التدبير، فعلينا الا نظلم ولنشكل لجنة من الاختصاصيين، بدلا من الاجتهاد، والله يحفظ الكويت من كل سوء، و«شكرا كبيرة» لكل وافد محترم عملا وقولا وسلوكا، ونقول له: انت بين اهلك ما دمت تعمل وفق مثلنا الشعبي: «يا غريب كون أديب»، والله يحفظنا من الظلم والظلمات، لأن المظلوم ليس بينه وبين الله حجاب، والله يوفق كلا منا في عمله لأداء الأمانة، واعلاها وضع مصلحة الكويت فوق كل اعتبار، مع تذكر قوله تعالى: (..انه لا يحب الظالمين ـ الشورى: 40).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة 2014-2015 تصميم اكرم تكويد احمد