تسميات اغلاق التسميات

فاخر السلطان يكتب : «بيغيدا»...

بقلم فاخر السلطان في جريدة الوطن الكويتية  ، لماذا لا نبالي على سمعتنا الإنسانية، سواء كحكومة أو كأفراد، حينما تخرج قرارات رسمية يزعم مصدروها والمدافعون عنها بأنها تهدف لمعالجة ممارسات «سلبية» لدى غير الكويتيين من الوافدين، في حين هي لا تعكس إلا الصورة الفوقية والوجه العنصري في تعاملنا مع سلوكيات غير الكويتي؟ لماذا ردة الفعل التمييزية هذه مع مفردة «السلبيات»، اذْ هي أشد حدة وأكثر انفعالا تجاه «سلبيات» الوافد بالمقارنة مع ردة الفعل تجاه «سلبيات» المواطن، مما يعكس ذلك صورتنا الفوقية ويبرز وجهنا العنصري؟

في الواقع، تبرز تلك القرارات والممارسات والسلوكيات فشلنا في مواجة الخلل.فنحن في سعينا لمعالجة خطأ، نغوص في تثبيت خطأ أشنع، وهو تكريس مبدأ العنصرية والتمييز، ما يعبّر عن ظهور «بيغيدا» كويتية في ثقافتنا، من دون ان نلتفت اليها أو من دون ان نهتم بتغييرها، أو حتى لا نبالي بتأثيرها على سمعتنا.
»بيغيدا».. هي حركة ألمانية تضم محافظين ويساريين ونازيين جددا وعناصر يمينية متطرفة، تستهدف الوقوف ضد هجرة المسلمين الى ألمانيا نتيجة للطفرة المالية والاقتصادية التي تحققت مما جعل البلاد قبلة للمهاجرين، فكان شعار الحركة الرئيسي «ضد هجرة المسلمين وضد أسلمة المجتمع».. وهي في تقديري حركة عنصرية، لأنها تعتقد بفوقية العنصر الألماني المسيحي، وترى أن المسلمين ساهموا بشكل رئيسي في زيادة مساحة التطرف في ألمانيا. وقد رأى غالبية من الألمان بأنّها حركة معبّرة عن الكراهية تجاه المسلمين.
وعلى الرغم من ان حادث الاعتداء الدموي على صحافيي مجلة «شارلي إبدو» الساخرة في فرنسا واحتجاز رهائن في متجر للأغذية الخاصة باليهود، سيساهم في تصاعد مساحة الكراهية ضد المسلمين وضد وجود المسلمين في أوروبا عامة، الا ان ذلك يجب ان يشكّل صدمة للمسلمين قبل غيرهم، من أجل اعادة النظر وإيجاد أرضية تعايشية للمسلمين وسط العالم الحداثي المتنوّع بأديانه والمتطوّر بأفكاره والمتأنسن بتوجهاته.
لقد أفاد استطلاع للرأي في ألمانيا في نوفمبر الماضي أجرته مؤسسة «برتلسمان» الالمانية ونشرته اسبوعية «ذي زيت» ان اكثر من نصف الالمان (%57) اعتبروا الاسلام تهديدا، في حين رأى %61 منهم ان المسلمين لا يتلاءمون مع العالم الغربي. وأبدى %24 من الذين شملهم الاستطلاع رغبتهم في منع هجرة المسلمين الى ألمانيا. أي ان أغلبية المستطلعين الألمان أبدوا تسامحا تجاه المهاجرين المسلمين. وقالت المؤسسة ان الكراهية للمسلمين تبدو واسعة الانتشار من الأوساط المحافظة الى الأوساط اليسارية مرورا بالطبقات الوسطى، كما أظهرته تظاهرات حركة «بيغيدا».
وشددت «برتلسمان» ان هذه الكراهية للمسلمين شبيهة بمعاداة السامية التي سادت ألمانيا في القرن التاسع عشر. وذكرت بأنه في 2012 كان %52 من الألمان يعتبرون المسلمين غير متلائمين مع الغرب مقابل %61 في 2015. لكن الأستاذ في جامعة أرفورت كاي حافظ، وهو أحد معدي هذه الدراسة والمتخصص في وسائل الاعلام، أكد مسؤولية وسائل الاعلام التي روجت لصورة سلبية جدا للدين الاسلامي. وأوضح ان الكثيرين لم يسمعوا عن الاسلام الا من خلال «تنظيم الدولة الاسلامية والعنف والسلفيين» واضطهاد المراة ورفض القيم الديموقراطية.
تلك الارقام من شأنها ان تتصاعد بعد حادث الاعتداء على «شارلي ابدو». وهذا يحتم - مثلما قلنا - ضرورة النظر في التفسير التقليدي التاريخي، وبعبارة أخرى، لابد من طرح رؤية دينية تتوافق مع الحريات، وبالذات حرية الفرد، وتتصالح مع قيم الديموقراطية. فالارهاب المنسوب الى المسلمين لم ولن ينعكس في «شارلي ابدو» فحسب، ولن تكون حركة «بيغيدا» العنصرية تعبيرا عن رفض ذلك، بل الارهاب يوجد في بلاد المسلمين بشكل واسع، ونجده في سلوك الحكومات المسلمة ونخبها ومثقفيها وشعوبها، التي لم تحرّك ساكنا تجاه ممارسات عديدة مناهضة لحقوق الإنسان.
ان تظاهرات «بيغيدا»، حسب الكثير من المراقبين، جعلت السلطات الألمانية تخشى من تشوه صورتها في العالم. وهو بعكس السلطات والشعوب في مجتمعاتنا العربية والمسلمة، الذين لا يبالون لصورتهم ان تشوهت. فهم يؤيدون ويشجعون العديد من القرارات التي تسيء الى الوافد المهاجر فيما يخص معالجة ما يسمونه «بالسلبيات». وكانت قرارات حكومية عدة ترتبط بـ«ابعاد» الوافدين عن الكويت اذا ما ارتكبوا مخالفات معينة، بعضها كانت تافهة ويمكن معالجتها بشكل أبسط، مرّت مرور الكرام من دون أي احساس من قبل السلطة بأنها خالفت مواثيق إنسانية وكرست التمييز والكراهية ضد الآخر غير الكويتي، ومن دون أي ردة فعل شعبية رافضة لقرارات الحكومة.
لكن في ألمانيا، وحسب وسائل الاعلام، أدت تظاهرات «بيغيدا» الى انطلاق حملة تعبئة واسعة شارك فيها سياسيون وصحافيون ورجال أعمال ومواطنون عاديون على مواقع التواصل الاجتماعي للتنديد بموجة الاسلاموفوبيا المتنامية.وعنونت صحيفة «بيلد» اليومية العنوان التالي على صدر صفحتها الأولى «ألمانيا أصبحت قوس قزح، لا تسمحوا باعادتها الى الأبيض والأسود». وتحت هذا العنوان نشر نص عريضة موقعة من خمسين شخصية تحت عنوان «لا لبيغيدا». وكتب أوليفيه بيرهوف مدير المنتخب الالماني لكرة القدم مقالا على صفحات «بيلد»، الأكثر قراءة في أوروبا، أشاد فيه بمزايا الاندماج بين الأجناس. وهو ما فعله أيضا في الصحيفة نفسها فنانون ورجال دين وسياسيون. ومن بين الموقعين على العريضة المستشاران السابقان من الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني غيرهارد شرودر وهلموت شميت، وسبعة من وزراء الحكومة الحالية. وكتب وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله في الصحيفة «ان الكلمات لا تحل مكان الوقائع، ألمانيا في حاجة للمهاجرين».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة 2014-2015 تصميم اكرم تكويد احمد